مؤيد الدين الجندي
17
شرح فصوص الحكم
شيطانه الرجيم ، ولا يتذكَّر أنّ * ( فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) * « 1 » ، * ( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا به فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) * « 2 » . هذا ، وإنّ لكلّ ذي فهم صحيح ، وصاحب بحث رجيح ، من ذوي القلوب وأرباب الألباب ، في ظاهر عبارات هذا الكتاب ، وسائر إشاراته إلى سائر ما يحويه من اللباب فوائد كثيرة ، وزوائد عزيزة غريزة « 3 » ، يتوهّم بذلك أنّه على أوفر حظَّ ونصيب ، وأنّ سهمه في حقيقة الأمر مصيب ، وأنّ شعبه في شعب هذا المرتع المريع خصيب ، ولو رزق الاتّصاف بالإنصاف ، ورفق على الاستشراح والاستكشاف ، وجانب طريق المجادلة والاعتساف ، ولم يصدفه عن التعلَّم بتعليم العلم صادف الاستنكاف ، ولم يصرفه عن التسلَّم والتسليم صارف الخفّة والاستخفاف ، لفاز بالاطَّلاع والاستشراف على أشرف الأوصاف وأوصاف كلّ الأشراف ، وحاز جواهر عوارف المعارف بالاعتراف ، عند الاغتراف عن بحور نحور معارف رجال الأعراف ، وتحقّق أنّ الوقوف على حقيقة المراد والفحوى ، بعيد - والله - عن مرمى أهل الرعونة والدعوى ، وأنّ العثور على المعنى المعنيّ من كلّ لفظ ومعنى ، هو المقصد الأسهمى والغاية القصوى . فلمّا كان الأمر على ما ذكرت ، بكَّرت وفكَّرت في الإقدام على ملتمسهم ، والإحجام على مقترحهم ، ونكَّرت وأقبلت وأدبرت وذكَّرت كلَّا منهم صعوبة ذلك ، وأنكرت واستكبرت ، وأخبرت إلى بعد ما خبرت الأمر ، واختبرت وتخيّرت تحيّرت ، فكلّ منهم رماني بسهام ملامه ، وادّعى أنّه استعلم الأمر من عند علَّامه ، وأنّي آثم عند الله إن أقصرت عن تعليمه أو قصّرت في إعلامه ، وأعرضت عن إيصاله إلى بغيته ومرامه . فلمّا ألحّوا عليّ كلّ الإلحاح ، وأقبلوا عليّ بوجوه الحق الصراح ، في هذا الاقتراح بالاستشراح ، فلم أجد مساغا ولا سبيلا إلى التصدّي للصدود والانتزاح ، ولا مجالا
--> « 1 » يوسف ( 12 ) الآية 76 . « 2 » الأحقاف ( 46 ) الآية 11 . « 3 » كذا . ولعلَّه : غزيرة أو غريرة .